الحلبي
513
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
باب ذكر خبر الطفيل بن عمرو الدوسي وإسلامه رضي اللّه تعالى عنه كان الطفيل بن عمرو الدوسي شريفا في قومه شاعرا نبيلا ، قدم مكة فمشى إليه رجال من قريش ؛ فقالوا : يا أبا الطفيل ؛ كنوه بذلك تعظيما له فلم يقولوا يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ؛ وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل أمره بنا : أي اشتد وفرّق جماعتنا وشتت أمرنا ؛ وإنما قوله كالسحر ؛ يفرق به بين المرء وأخيه ؛ وبين الرجل وزوجته : وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا ؛ فلا تكلمه ولا تسمع منه قال الطفيل : فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت : أي قصدت وعزمت على أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه : أي حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا وهو بضم الكاف وسكون الراء ثم سين مهملة مضمومة ثم فاء : أي قطنا ، فرقا : أي خوفا من أن يبلغني شيء من قوله ؛ فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت قريبا منه فأبى اللّه إلا أن أسمع بعض قوله : أي فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي : أنا ما يخفى على الحسن من القبيح ، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت ، وإن كان قبيحا تركت ، فمكثت حتى انصرف إلى بيته ، فقلت يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا حتى سددت أذني بكرسف حتى لا أسمع قولك ، فاعرض عليّ أمرك ، فعرض عليه الإسلام ، وتلا عليه القرآن : أي قرأ عليه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : الآية 1 ] إلى آخرها و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) [ الفلق : الآية 1 ] إلى آخرها ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) [ النّاس : الآية 1 ] إلى آخرها . وفيه أنه سيأتي أن نزول قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) [ الفلق : الآية 1 ] و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) [ النّاس : الآية 1 ] كان بالمدينة عندما سحر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أن يقال يجوز أن يكون ذلك مما تكرر نزوله فقال : واللّه ما سمعت قط قولا أحسن من هذا ، ولا أمر أعدل منه فأسلمت ، فقلت : يا نبي اللّه إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام ، فادع اللّه أن يكون لي عونا عليهم قال : اللهم اجعل له آية ، فخرجت حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر : أي وهم النازلون المقيمون على الماء لا يرحلون عنه ، وكان ذلك في ليلة مظلمة وقع نور بين عيني مثل المصباح ، فقلت : اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنه مثله ، فتحول في رأس سوطي ، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور كالقنديل المعلق : أي ومن ثم عرف بذي النور ، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله :